مقالات کمينه
10

تطور علم الأصول حضرت آيت الله علوي بروجردي مدظله العالي 

تطور علم الأصول حضرت آيت الله علوي بروجردي مدظله العالي

 بسم اللّه الرحمن الرحيم

مقدمة علي کتاب الحاشیة علی كفایة الاصول

 الحمد للّه على نعمائه، و الصلاة و السلام على محمد و آله أصول الخير، و منبع العلم، و مبيّن الأحكام، و الأدلاء على الحق، و الدعاة للخلق ما كان المسلمون في عصر الرسالة ليعانون مشكلة في تلقيهم لأحكام الشريعة، و مبادئ الأحكام، و ما كان على عهدتهم من تكاليف دينية، أو واجبات شرعية، و ذاك لتدرج نزول الوحي، و تبيين صاحب الرسالة كل ما يقتضيه المقام أو يجهله المكلف، و إمكان الوصول إليه و التلقي عنه، و الاستفهام منه، و غير ذلك مما يسهل كل صعب و يذلل كل مشكل و يرفع كل عقبة.

 لكن بعد ما منيت الأمة بفقد الرسول صلى اللَّه عليه و آله و الحرمان من منبع الوحي، و لسان التنزيل، و الأدهى من كل ذاك و أمرّ ما بليت به من عدم الأخذ بما سنّه لهم مما يسعد داريهم و يجرهم إلى حياة أفضل، و عيش أرغد، و ذاك بتركهم لما خلّفه صلوات اللّه عليه فيهم من الثقلين العظيمين: «كتاب اللّه و عترته من أهل بيته...»، بعد أن ضمن لهم: « ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي.»

و أكّدها لهم بقوله صلوات اللّه عليه: أبدا... مما حدا بهم إلى الانزلاق سريعا و الانحراف... بل الانقلاب على أعقابهم بعد ذلك. و قد واجهتهم مشاكل حادّة و جذريّة، و لو حذو حذوه و أخذوا قوله و ضمّوا لسان اللّه الناطق مع كلامه الصامت و جعلوهما مرجعا و مسندا للوصول إلى أحكام اللّه سبحانه و تكاليفه لكانت الأمّة في ظل الرسالة - حتى مع فقدها لرسول اللّه - في أتمّ عيش و أرغد حياة، و لكانوا خير أمة أخرجت للناس. إلا أنه - و يا للأسف - بتركهم الجادة، و تفرق كلمتهم و جمعهم، و تمزق جماعتهم، و تشتت وحدتهم، و تعدد أهوائهم و آرائهم و.. مما جرهم إلى الاختلاف في فهم معاني القرآن و درك سنة الرسول و كلامه، تحليلا و اجتهادا، و حكاية و تطبيقا.. مما سبّب بروز تزلزل كبير في دلالة الأسيّن الأساسين: الكتاب و السنّة.. للوصول إلى ما ينبغي فعله شرعا و ما لا ينبغي.

و من الطبيعي جدا بعد ذلك أن تقف الأمّة حائرة أو متذبذبة امام كل المسائل المستحدثة التي تعانيها. و تبلى بضياع و تشرّد و ضلال قبال كل ما تراه و تسمعه، و ذلك مما دفع بالعامة من الناس إلى التشبث بذيول من حظي بلقاء الرسول و صحبته، و ذاك يبدي ما يحلوله و ما يخطر في نظره - نصا أو اجتهادا - مستعينا بحافظته أو متوسلا بخلاقيته مما عنده من رواية نقلها، أو سنة سمعها، أو أحكام شاهدها من الأشباه و النّظائر، و لو أعيته الحيلة تشبث بوجوه استحسانيّة ان لم تكن أقيسة و تخرصات. توجيها أو تبريرا لما ارتئاه و اختاره.

و لا تقتصر هذه الطامّة على المسائل المستحدثة فحسب، بل تتعداها إلى مسائل و مشاكل اخر لمن لم يحالفه الحظّ لدرك محضر الرسول أو صحبته الا بضعة أيّام، مما يحوجه إلى مراجعة السلف السابق و ما يعبرون عنهم بكبار الصحابة. و أصحاب الحل و العقد... و هكذا دواليك... تتجدد المشكلة و تزداد المحاذير السالفة، إذ يبرز افراد باستنباطات متغايرة بل و حتى متباينة. في فهمهم لمداليل الآيات الكريمة أو السنة المطهرة مما يلزم كل منهم أن يقيم أدلة تثبت وجهة نظره، أو تبرهن على مدعاه، و لا ننسى ما للسياسة الوقتية و السلطة الحاكمة من استغلال لمثل هذا الوضع لإدارة الدفّة، و توجيه الأفكار لما تصبو له من أهداف أو رغبات، سواء في توجيهها لنظرية خاصة، أو مساندة لفكرة معيّنة، أو ابتداع طرق ملتوية تتلاءم مع سياستها اليوميّة لجر الضالين إلى كل ما ترغب له و تريده، و تضيّع عليهم السبيل، و تأخذهم لطرق ملتوية تعمية و إضلالا. و من هنا و هناك تبرز الضرورة الملحة لتأسيس قواعد كلية، و أصول عمليّة في كيفية استخراج أحكام كلية من الآيات القرآنية و السنة النبويّة و النصوص و الآثار، كما تظهر أهمية البحث و النقد في السنة المنقولة و الأحاديث الواصلة الّتي كان ليد السلطة الحاكمة آنذاك الدور الكبير في ابتداع كثير من هذه القواعد، نظير تقديس الصحابة و حجية إجماع، أهل الحل و العقد، أو أهل المدينة، أو القياس، أو الاستحسان. و أمثال ذلك لفقهاء البلاد و وعاظ السلاطين و المتفقهة منهم.

و بهذا الشكل برز فنّ أصول الفقه بين العامّة كوسيلة للتفقّه في الشريعة.

و لم تعان تلك الثلة الطاهرة التي اعتصمت بوصية الرسول صلى اللَّه عليه و آله و تمسكت بكتاب اللّه و عترة نبيهم صلوات اللّه عليه و عليهم من أمثال هذه المشاكل، إذ استمرّ عندها الخطّ النبوي بوجود الدعامتين الأساسيتين للوصول إلى التكاليف و الوظائف الشرعية - أعني كتاب اللّه و سنة رسوله صلى اللَّه عليه و آله بلا نقيصة أو زيادة، إذ ما من عقبة أو عويصة في فهم كتاب اللّه إلاّ و تذلّل بكتاب اللّه الناطق و لسانه الصادق، و كان لبيان أهل البيت (سلام اللّه عليهم) - و هم أدرى بما في البيت - المتصلين ببحار المعارف الإلهيّة، و بوحي السماء، الدور الكبير لتفتيت كل المعضلات و المسائل، و رفع كل العقبات و المشاكل، و حلّ كل لبس و شك، و دفع كل جهل و ضلال.

و عليه فما دفع العامة من تأسيس و ابتداع جملة من القواعد على أنها قواعد أصولية لم يكن الملتزم الشيعي في عصر أئمة الهدى صلوات اللّه عليهم أجمعين يحس بضرورة لها، إذ ليس كل مسعى تلك الطرق الظنيّة، و الأسس الوهميّة إلاّ تحصيل الحجة الشرعيّة، و هي أما معذرة أو منجزة... و مع إمكان تحصيل الواقع بالإصغاء إلى اللسان الصادق، و الحق الناطق من بيت الوحي و الرسالة فلا مبرر إذا لتحصيل الحجة، فكيف بما تذرعوا به من طرق كالقياس أو إجماع الصحابة أو أهل المدينة و أمثال ذلك.

و مع كل هذا نجد كثيرا من هذه القواعد الأصوليّة و الأدلة الاجتهادية ولدت بين الشيعي لدواعي مختلفة و في عصر الأئمة سلام اللّه عليهم و بشكل تدريجي، ثم تكاملت رويدا رويدا، بمرور الأيّام و الأعوام، ثم تفرعت و أينعت بتوالي الأيدي و الاعلام.

و كانت الشيعة - المتمسكة بالثقلين - و من أول يوم عرج برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى الملأ الأعلى - مضطرة للذبّ و الدفاع عن عقائدها و محاولة المستحيل لصد هجمات أعدائها و غيلتهم، و افتراءات خصمائها و حقدهم.

و كان اتكاء القوم، و خصماء الحق، على جملة من ظواهر ادعائية للآيات القرآنية المتشابهة أو نقلهم لبعض الأحاديث الموضوعة، أو الوقائع المفتراة لتوجيه نبذهم للتمسك بالثقلين، بل نفيهم لهما، مما حرّض الشيعة - على مدّ التاريخ - لصدّ هجومهم و دفع هذه المخاريق ببراهين محكمة، و أدلة متينة، و ردّ استدلالاتهم - ان كانت أدلة - بمنطق قاصم قاطع قويم، مما زرع بذور المباحث الكلاميّة - خصوصا في مسألتي الإمامة و الولاية، و دعتهم إلى الاستعانة بجملة من القواعد المحكمة - لفظية كانت أم عقلية - و الفحص و التساؤل في هذا المضمار من منبع الوحي، و كانت الردود التي وصلتنا من أئمة الهدى سلام اللّه عليهم أجمعين في هذا الباب مما تبهر العقول و تسترعي الاهتمام، كموارد التساؤل عن كيفية الفحص عن الخاصّ في العمومات القرآنيّة، و عن الناسخ و المنسوخ، و المحكم من المتشابه، و الفرائض و الأحكام، و العزائم و الرخص و أمثال ذلك مما كان له الأثر الكبير في تفتح آفاق أكبر عليهم، و استخراج عقيان أعظم لهم في هذا الفن و غيره.

و لعل من أوائل ما أبقته لنا الأيّام من الآثار في هذا المجال كلام مولى الموحدين و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في مقام جواب تساؤل أحد أصحابه حول معرفة كتاب اللّه و التعرف على علوم القرآن، فقد تعرض لستين نوعا من أنواع العلوم القرآنية - على حد تعبير السيد الأمين في أعيانه[1] إذ بعد تعريفه لكل منها استشهد لها بما يناسبها، و قد ذكر شيخنا أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني (من أعلام القرن الرابع )  في تفسيره هذا الحديث بسنده عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام[2].

و غير خفي ان افتقار علم الكلام بمعرفة هذه القواعد لا تقلّ بحال من الأحوال عن افتقار علم الفقه له، كما نجد ان من جملة الرسائل التي دونت في هذا المجال كتاب الألفاظ لأبي محمد هشام بن الحكم - الّذي يعدّ بحق من أعاظم متكلمي الإماميّة، و على حد تعبير النديم في فهرسته أنه: فتق الكلام في الإمامة، و هذب المذهب بالنظر[3] .

يقول العلامة السيد محسن الأمين خلال ترجمته له في أعيان الشيعة: «.. و صنّف هشام كتاب الألفاظ، و من ذلك يظهر أن قول الجلال السيوطي: أول من صنّف في أصول الفقه الشافعي بالإجماع: غير صحيح، لأن هشام بن الحكم كان قبل الشافعي بكثير[4] ».

إلاّ أن السيد في مدخل كتابه - أعيان الشيعة - تحت عنوان: (علماء الشيعة و مؤلفوهم في أصول الفقه من أئمة أهل البيت) بعد ان أظهر التردد في هذه المقالة كتب قائلا: «.. فقد قال بعض المعاصرين[5] أن أوّل من أفرد بعض مباحثه بالتصنيف هشام بن الحكم تلميذ أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام، صنف كتاب الألفاظ و مباحثها و هي أهم مباحث هذا العلم.

أقول: ذكروا في مؤلفات هشام كتاب الألفاظ، و موضوعه غير معلوم، و كونه في مباحث الألفاظ التي هي قسم من علم أصول الفقه غير ظاهر، و لا دلالة عليه في كلامهم[6]...».

و الّذي يظهر من كلامه في ترجمته لهشام أنه قد عدل بعد ذلك عن هذا التشكيك و رجع عنه، و ذلك مقتضى الحق و التحقيق، إذ بعد ملاحظة كون هشام رضوان اللّه عليه من متكلمي الإماميّة، أولا، و للكثرة الكاثرة من الروايات الواردة عن بيت العصمة و الطهارة من زمن أمير المؤمنين عليه السلام إلى أيام أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام في مباحث الألفاظ و كيفيتها سواء أ كانت صريحة في ذلك أو يستنبط منها ذلك مفهوما أو مصداقا من مباحث. الوضع إلى المطلق و المقيّد و العام و الخاصّ ثانيا، مع الأخذ بنظر الاعتبار ما لمدرسة هشام من دور في تربية جمع كبير من النشي‏ء المتكلم، و ما لعلم الكلام من توقف على كثير من القواعد الأصوليّة و عدم إمكان الإحاطة به إلاّ بعد استيعاب تلك المباحث ثالثا، فلو لم يقدّر لكتاب الألفاظ أن يحمل على مثل ما ذكرناه فبأيّ شي‏ء يمكن تحديد موضوعه؟ هذا، و من البديهي جدا أن الكتاب المذكور يمتاز - بلا ريب – جملة و تفصيلا عمّا نعرفه اليوم بعنوان مباحث الألفاظ في علم أصول الفقه، و من المقطوع به ان مثل هذا العنوان ممن له عشرات المؤلفات الاستدلاليّة - على ما نقله النديم في فهرسته، نظير: كتاب الإمامة، كتاب الرد على الزنادقة، كتاب الردّ على أصحاب الاثنين، كتاب التوحيد، كتاب الرد على هشام الجواليقي، كتاب الرد على أصحاب الطبائع، كتاب الرد على من قال بإمامة المفضول، كتاب اختلاف الناس في الإمامة، كتاب الوصيّة و الردّ على من أنكرها[7]..» و غيرها مما يفتقره في استدلالاته و ترصين براهينه - خصوصا من مثله - إلى أن يستعين بالقواعد اللفظيّة و يتكئ على المباحث الأصوليّة. إذ لا يمكنه الاستغناء عنها بحال، و لا يقبل الانطباق إلا على كيفية دلالة الألفاظ.

و السيد العاملي بعد أن تأمل في كون كتاب الألفاظ لهشام بن الحكم يعدّ باكورة ما صنف في أصول الفقه قال: »و الصواب ان أوّل من أفرد بعض مباحثه بالتصنيف يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين، له كتاب اختلاف الحديث، و هو بعينه مبحث التعادل و الترجيح في الاخبار المتعارضة من مباحث أصول الفقه (أوائل المائة الثالثة)[8]..».

و حريّ بنا ان ندرج(كتاب الاخبار و كيف تصح) - الّذي هو من جملة ما عدّه النديم لهشام بن الحكم من التصانيف - أولا، و نعده مبدأ إذ لا ريب انّه إطار اخر لما درج بحثه اليوم في الأصول تحت عنوان مبحث حجية الاخبار الّذي هو أرضية لمبحث التعادل و الترجيح لا ما ذكره السيّد الأمين.

و مع غض النّظر عمّا سلف - من الضرورة الملحة التي توجبها المباحث الكلاميّة إلى القواعد الأصوليّة - فإنا نجد أئمة الهدى( صلوات اللّه عليهم أجمعين) متى ما تأتى لهم و حصل أدنى إمكان لبيان الأحكام الإلهيّة و المعالم الدينيّة عدى إجابتهم للأسئلة اليوميّة و ما يرجع إليهم من استفتاءات فقهية يقيموا جلسات تدريسيّة لتعليم بعض الأصول الكليّة يخصّوها لزبدة من تلامذتهم و خيرة أصحابهم.

و يعدّ أواخر القرن الأوّل و أوائل القرن الثاني - إبّان إمامة الإمام محمد بن علي الباقر عليهما السلام و خلال إمامة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام - هو أوج الحركة العلميّة و النهضة الدينيّة التي جاءتنا نتيجة الحريّة النسبيّة التي ولدت من ضعف الدولة الأمويّة ثم اضمحلالها، و حلول الدولة العباسيّة و عدم تمركزها، مما سبّب فرجة للظامئين المحرومين ان يرتووا من بحار المعارف الإلهيّة، و منبع الوحي، و مدرسة أهل البيت عليهم السلام، و ان يغترفوا من منهلهم الروّى.

و خلال هذه الفترة الذهبيّة التي سخت لأئمة الهدى عليهم السلام ان يغرسوا قواعد و أسس الاستنباط لأصحابهم كي يستعينوا بها في استنباط الأحكام الفرعية الإلهيّة من أدلّتها التفصيليّة. حتى انا نجد التصريح بهذا منهم عليهم السلام فيما رواه ابن إدريس عن جامع البزنطي عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: انما علينا ان نلقي إليكم الأصول و عليكم ان تفرعوا[9].

و عنه عن أبي الحسن الرضا عليه آلاف التحية و الثناء، قال: علينا إلقاء الأصول إليكم و عليكم التفريع[10].

و الّذي بقي لنا من هذه الفترة مجموعة ثمينة من الروايات التي كانت أساسا لنا في بناء كثير من القواعد الأصوليّة، و دلتنا على بعض المباني الكليّة مطابقة أو التزاما انتهت أسانيدها غالبا إلى رئيس المذهب الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام مما ورد في الأصول الحديثيّة التي جمعت من قبل تلامذته و أصحابه صلوات اللّه عليه. منها ما مرّ من كتاب الألفاظ، و كتاب الاخبار و كيف تصح لهشام بن الحكم و كتاب اختلاف الحديث ليونس بن عبد الرحمن، و كتاب الأوامر و الزواجر لأبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن خالد البرقي[11]... و غيرها.

و من هنا يعلم ان تاريخ علم الأصول يعود عندنا إلى الصدر الأوّل مع ما هناك من روايات عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نظير حديث الرفع[12] الّذي هو عمدة أدلة البراءة، و اخبار التثليث[13] و غيرهما[14]، و كذا ما ورد عن أبي الحسن أمير المؤمنين عليه السلام في الاستصحاب[15] و لزوم التوقف عند الشبهات[16]، و ما جاء في احتجاج الصديقة الطاهرة سلام اللّه عليها على أبي بكر و استدلالها بكتاب اللّه و سنة أبيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما سنّته معيارا في صحة الحديث عند ردّها لحديث «نحن معاشر الأنبياء...».

و إعطائها الضابطة لكيفيّة عرض الحديث على كتاب اللّه[17]، و أمثال ذلك مما يثبت ان تدوين المبادئ الأوليّة لعلم أصول الفقه و جذور التصنيف فيه كان مقارنا و متاخما لتدوين أحاديث الأحكام و السّنن و الآثار عند أصحاب الحديث.

و عليه فما ادعي من تأخر تدوين علم الأصول إلى أواخر القرن الثاني الهجري و ان أوّل من بادر إلى التصنيف فيه محمد بن إدريس الشافعي - المتوفى سنة 204 هـ- كلام لا أساس له، إذ ليس الشافعي أول من صنف من المسلمين فيه، بل و لا يعدّ كذلك عند العامة، فنحن نرى ان النديم في فهرسته قد عدّ جملة من مؤلفات أبي عبد اللّه محمد بن حسن بن فرقد الشيباني الحنفي في مواضيع مختلفة في أصول الفقه، منها: كتاب الاستحسان، و منها: كتاب اجتهاد الرّأي[18].

و لا ريب بأن الشيباني يعد متقدما من الجهة العلميّة و كذا من الواجهة التاريخيّة على محمد بن إدريس الشافعي كما ما صرح به النديم و غيره، إذ كان الشافعي ملازما له طوال سنة و استنسخ خلالها كل ما استحسنه و استذوقه من مؤلفاته و تصانيف، و صرح قائلا: كتبت عن محمد وقر جمل كتبا[19].

هذا مع ان وفات الشافعي كانت سنة 204 هـ و رحلة الشيباني اما في سنة 182 هـ أو سنة 189 هـ [20]- على اختلاف في تاريخ وفاته - فيكون ما و راجع مقدمة الاستاذ محمود الشهابی علی فوائد الاصول للعلامة آية ... الشيخ محمد علی الکاظمی الخراسانی.

بينهما اما اثنتان و عشرون أو ست عشرة سنة.

و أيضا فما نقله - ابن خلكان في وفيات الأعيان[21]عن طلحة بن محمد بن جعفر قال: ما حاصله: أن أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم هو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، مع العلم بأن وفاة أبي يوسف المعروف بقاضي القضاة في سنة 182 ه ـ أي اتفقت وفاته قبل موت الشافعي باثنين و عشرين سنة - يعد شاهدا لما ذكرناه، و ذهب جمع ممن تأخر عن أبي حنيفة إلى ان أوّل تصنيف في أصول الفقه هو كتاب «الرّأي» لأبي حنيفة، و قد اقتدى كل من تلميذيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم و أبي عبد اللّه محمد بن الحسن في تدوينهم للقواعد الأصوليّة كعلم مستقل بأستادهما أبي حنيفة.

و مع كل هذا فإن ما قاله ابن خلدون: و كان أوّل من كتب فيه الشافعي... أملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر و النواهي و البيان و الخبر و النسخ و حكم العلة المنصوصة من القياس، ثم كتب فقهاء الحنفيّة فيه و حققوا تلك القواعد و أوسعوا القول فيها [22]... ليس موافقا للتحقيق، بل هو بعيد عن الصواب.

و الأغرب من هذا، هو التهافت البيّن فيما قاله ابن خلكان خلال ترجمته لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم من انه أوّل من دوّن في أصول الفقه، و ما كتب في ترجمة محمد بن إدريس الشافعي بما نصّه: « ...و الشافعي أول من تكلّم في أصول الفقه[23]... ».

و مما يبرز هذا الاضطراب في الأقوال مقالة جلال الدين السيوطي - المتوفى 911 ه ـ في كتابه «الوسائل إلى مسامرة الأوائل» إذ يقول: «... أوّل من صنّف في أصول الفقه الإمام الشافعي»[24].

و قد تصدى الفخر الرازي للجمع بين هذا التنافر بين كلمات القوم في كتابه «مناقب الشافعي» إذ يقول:.. كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه و يستدلون و يعترضون و لكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، و في كيفية معارضتها و ترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه و وضع للخلق قانونا كليا يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع[25] ... إلاّ انّ كل محقق منصف لو رجع اليوم إلى كتاب جامع أحاديث الشيعة لفقيدنا الغالي، و لاحظ هذه الأبواب من أبواب المقدمات:

باب حجية ظواهر الكتاب بعد الفحص عن المخصّص أو المقيّد أو المبيّن أو المفسر أو الناسخ و عدم حجيتها قبله، و فيه: (28 رواية).

باب حجية سنة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد الفحص، و فيه (13 رواية).

باب حجية فتوى الأئمة المعصومين من العترة الطاهرة عليهم السلام بعد الفحص... و فيه: (209 رواية).

باب حجية اخبار الثقات عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و الأئمة الأطهار عليهم السلام، و فيه: (116 رواية).

باب ما يعالج به تعارض الروايات من الجمع و الترجيح و غيرهما، و فيه: (42 رواية).

باب عدم حجية القياس و الرّأي و الاجتهاد و حرمة الإفتاء و العمل بها في الأحكام، و أنه لا يجوز تقليد من يفتى بها، و يجب نقض الحكم المستند إليها، و كذا لا يجوز العمل بفتوى من لا يرى حجية أقوال العترة و لا التحاكم إليه، و فيه: (130 رواية).

باب حكم ما إذا لم يوجد حجة على الحكم بعد الفحص في الشبهة الوجوبيّة و التحريميّة[26] و غيرها.

و لاحظ إرجاعات كل واحد من هذه الأبواب، و عدد الأحاديث فيها لاطمأن بل قطع بتقدم أصحابنا في هذا المقام، إذ أخذت جملة هذه الروايات بل جلها عن الباقرين عليهم السلام، مع ان شهادة الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام - على المشهور - كانت في 25 شوال 148 الهجرية، أي قبل ولادة الشافعي بسنتين - على ما ذكره ابن خلكان[27] و آخرين.

و على كل، فإن من المهم أن ما وصلنا من روايات عن طريق أهل بيت العصمة و الطهارة خاصة عن هذين الإمامين الصادقين عليهما السلام في المباحث الأصوليّة لا ينحصر بالأبواب السالفة و لا بما جاء فيها من روايات، إذا الاخبار الدالة على حجية الاستصحاب مثلا لم ترد في جامع أحاديث الشيعة، مع ما نراه من ان شيخنا الحر العاملي في كتابه الجليل الفصول المهمة في معرفة الأئمة ذكر أبواب الكليات المتعلقة بأصول الفقه و ما يناسبها[28] في ستة و ثمانين باب مما يصعب علينا ذكر فهرست لها فضلا عن تفصيلها في هذه العجالة.

كما و ان المرحوم السيد عبد اللّه شبر ذكر في كتابه الرائع: الأصول الأصليّة و القواعد الشرعية عدة أبواب: منها  (اثنان و عشرون بابا) في أبواب المبادئ اللغوية، و( ثمانية أبواب) في مبادئ الأحكام، و(ستة أبواب ) في العموم و الخصوص، و ( أربع أبواب) في أبواب الأدلة الشرعية، في قسم الأبواب المرتبطة بكتاب اللّه المجيد، و (54 بابا) في الأبواب المرتبطة بالسنة، و أدرج في كل باب ما يرتبط به من روايات و اخبار، و الملفت للنظر انه في الباب الأوّل من أبواب الأدلّة الشرعيّة (باب الكتاب المجيد و حجية محكماته نصها و ظاهرها و وجوب العمل بما يفهم منها و الأخذ بها)[29] ، قد أدرج (109 رواية)، و في باب علل اختلاف الاخبار و كيفية الجمع بين الاخبار المختلفة و وجوه الاستنباط و بيان أنواع ما يجوز الاستدلال به [30]الّذي هي من جملة أبواب السنّة ذكر (39 رواية) و غير ذلك.

ان هذه الروايات - مع كل ما فيها من سعة و عظمة، عددا و دلالة - و بهذا الشكل التفصيليّ في مواضيع مختلفة و متنوّعة حتى مبادئ علم الأصول، لتعد بحق شواهد صدق على مقدار التطور و التفتح العظيم الّذي وصل له هذا العلم و ما عليه هذه الفن من السعة و الإحاطة و العمق خصوصا في زمن الصادقين عليهما السلام فنحن نرى في هذه البرهة مصنفات و رسائل قد كتبت في موضوعات متفرقة من هذا العلم من أصحابهم سلام اللّه عليهم، أشرنا إلى بعضها آنفا.

و مع كل هذه الاخبار و الروايات، و تلك التصانيف و الأسفار، و مع كل ما أعدمته الأيدي الأثيمة و مزقته أعداء الطائفة، أو توالي العصور و الأعوام مما لم يبق لنا منه إلاّ اسما، أولا نعرف منه أثرا أو خبرا، و مع هذا لا يعدّون مبدأ أصول الفقه و منشأه هم الشيعة الإماميّة تصنيفا أو تكلما و هم - مع ما لهم من تعنت

و تعصب - يعتقدون بهذه التصانيف و الروايات، و كانوا يتناقلونها يدا بيد، و صدرا لصدر، فضلا عن أصحابنا، و حسبنا منها ما ذكرناه قريبا، و الّذي يعد - بلا ريب - النزر اليسير مما كتب أو صدر عنهم عليهم السلام، إذ انّ أغلب الأصول الأربع­ مائة المدونة آنذاك قد فقدت، و ما هو بأيدينا اليوم من الكتب الأربعة قد ذكر بعض ما في الأصول الأربعمائة، و لا يعد - بلا شك - عدم شمول هذه المصنفات و الرسائل لجميع مواضيع علم الأصول منقصة لها، إذ نجد ما كتب في أصول الفقه من الكتب الأوليّة لفقهائهم كرسالة الشافعي - التي هي العمدة عندهم - تفتقر إلى الإحاطة بمعظم أبواب الأصول فضلا عن كلها، إذ نلمس فيها القصور عنوانا و التقصير تبويبا و معنونا نعم، هناك جملة من المباحث التي ذكروها و استدلوا عليها بوجوه ظنيّة بل وهميّة كالقياس و الاستحسان و سدّ الذرائع و نظائرها لم تقبلها الخاصّة و أعرضت عنها و لم تتعرض لها. بل نجد عشرات الكتب و الرسائل التي ألّفها أصحابنا من زمن الصادقين عليهم السلام إلى يومنا هذا في نفي حجيتها و عدم اعتبارها، كما أنّ عدم عنونة بعض المسائل من قبل أصحابنا و عدم ذكر الوجوه العقلية لها في ذلك الزمان لم يكن إلاّ لعدم حاجتهم لها، لإمكان وصولهم إلى الواقع الّذي هو بين أظهرهم، و انفتاح باب العلم عليهم، و إمكان الوصول إليهم صلوات اللّه عليهم مما يغنيهم عن كل دليل و برهان، على عكس العامة و أعلامها إذ وجدوا الفراغ في الأصول و الفروع منذ وفاة الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مما اضطرهم إلى التمسك بكل غث و سمين مما عبّروا عنه استدلالا و هو بالوهم أشبه ليوصلهم إلى الأحكام الإلهيّة، فضاع عليهم الطريق و ضلوا و أضلّوا، و حرموا في هذا المسير من معالم أهل البيت و بحار علومهم، و لم يرتووا من منهلهم، و لم يأخذوا من شريعتهم، و هذا مما أبرز الفرق الجوهري و الجذري بين روح الفكر الأصولي عند الخاصة مع الخطّ الفكري عند العامّة.

و لكن هذا الفرق لا يوجب نسيان أو أغفال دور الشيعة في تدوين و تصنيف العلوم الإسلاميّة، و منها علم أصول الفقه.

و من الإجحاف بمكان أن يغمضوا عن هذا الدور و يحرموا منه، و يؤخروا عمل التأليف و التصنيف لعلم أصول الفقه إلى أواخر القرن الثاني، كي يتأتى للقوم - و أنّي لهم - ان يثبتوا ان أوّل تصنيف في هذا العلم كان بواسطة إمامهم الشافعي، ثم يقيموا لذلك إجماعا من عند أنفسهم.

كل هذا لكي لا يقال الحق، و لكي لا تكون الشيعة سبّاقة في هذا المجال - كما هي كذلك -.

و لنعد إلى ما كنّا فيه، إذ لا ريب ان كثيرا من المباحث قدر لها ان تتوسع و تتشعب بمرور الزمان، و تتفرع إلى فروع كثيرة بمقتضى التحقيق و التتبع، سواء ما كان منها مرتبطا بمقدمات و مبادئ المسائل الأصوليّة، أو ما يرجع إلى المباحث العقليّة.

كما و ان في كثير من الموارد قد قلّ توجههم إلى الروايات لجعلها متكأ في استدلالاتهم، و لم يكن لها دور في البحث، إذ نجد مباحث الاستصحاب مثلا عدّت من الأمارات عند أكثر قدماء الأصحاب لإفادتها الظن، و بذي صارت حجة و من البيّن انه لم يقدّر لعلم ما ان يتكامل و يترقّى و يصل إلى ما وصل إليه بعد عدة قرون مثل ما وصل إليه علم الأصول عندنا، كما ان الأصول عند العامة لا تقاس اليوم بما ذكره الشافعي في رسالته، و لا ريب ما لهذه الروايات عند الشيعة من أثر عميق لتأسيس مباحث علم الأصول و ظهوره و تفرعاته. و هذا لا ينحصر بأصول الشيعة فحسب، بل لا شك ان تطور الأصول عند العامة - إلاّ في موارد شاذة أملتها السياسة الوقتية آنذاك أو الحاجة العلمية - رهين بروايات و مدرسة أهل البيت سلام اللّه عليهم أجمعين، إذ الذين حظوا بالحضور في مجلس الصادقين عليهما السلام و نهلوا من معينهما قد جاوزوا الآلاف، و كلهم دعاة إلى تدوين الحديث، و منهم جمع من العامة، بل إن أئمتهم تتلمذوا عليهم أو على أصحابهم، و إننا لنقطع بوصول مصنفات أصحابنا و كتبهم و نسخهم و أصولهم إلى مؤلفي العامة و رجالاتهم، مما يظهر ذلك بيّنا جليا من فلتات أقلامهم أو سطور مصنفاتهم، يقول النجاشي في رجاله:

فقد حكي عن أحمد بن محمد بن عيسى انه قال: «جئت إلى الحسن بن علي الوشّاء و سألته ان يخرج إليّ كتابا لعلاء بن رزين، و كتابا لأبان بن عثمان الأحمر، فأخرجهما، فقلت: أحب ان أسمعهما، فقال لي: رحمك اللّه ما أعجلك اذهب فاكتبهما و اسمع من بعد، فقلت له: لا آمن الحدثان. فقال: لو علمت ان الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإنّي قد أدركت في هذا المسجد مائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد عليهما السلام» [31] و ان مثل هذا الانتشار الواسع للأحاديث مع هذه الكثرة الكاثرة من الأصحاب لا يمكن ان تغفلها أعين أعلام العامة و فحولهم.

كما و لا ريب ما للظروف المهلكة التي رافقت أيام وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من دور لتبرير رأي السياسة الحاكمة آنذاك في رفضها للتمسك بالثقلين - كما سلف - مما جرّ السلطة لابتداع أدلة كالإجماع الّذي مشوا به و تمسكوا فيه لا في الأحكام فحسب، بل حتى في الاعتقادات الضروريّة و الأمور الأوليّة، بل و حتى في المسائل الاعتباريّة... مما كال الويلات على الأمة علميا و عمليا.

يقول ابن خلدون في مقدمة تاريخه في مقام البحث عن نشأة العلوم الإسلاميّة، و منها أصول الفقه، و عدّ من الأدلّة الكتاب الكريم و السنة المطهرة قال: «... ثم ينزل الإجماع منزلتهما لإجماع الصحابة على النكير على مخالفيهم و لا يكون ذلك إلاّ عن مستند، لأن مثلهم لا يتفقون من غير دليل ثابت، مع شهادة الأدلة بعصمة الجماعة، فصار الإجماع دليلا ثابتا في الشرعيات[32]». و من الواضح ان تعيين صغريات الإجماع و تطبيق عنوان الصحابي أو المصاحب و تحديد مفهومه كان يخضع لرقابة شديدة من قبل السلطة الحاكمة و زبانيتها كي لا يطلق أو يستعمل الا على الافراد الذين تسنّموا دفّة الحكم أو سعوا له.

و دفع كل الفئات المناوئة - و بالتعبير المعاصر: المعارضة - حتّى مولى الكونين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام و خواص أصحابه من أمثال هذه العناوين، بل نجدهم قد حرموا القشر اللا أبالي أو المحايد من أمثال هذه الألقاب كي تنحصر بهم و لا تتعدّاهم.

و هذا الإجماع - الّذي هو بتعبير خاتمة المحققين شيخنا الأنصاري طاب ثراه: هم الأصل له و هو الأصل لهم [33]- وضع الأس و الأساس في الأدلة العامة، و صحبوه إلى كثير من شئونهم العامة بل و حتى الخاصة، و رفعوه بحيث جاوز سندية و مسندا على الكتاب العظيم و السنة المطهرة، مما جعلنا نجد ان كثيرا من أدلتهم الأصولية قد ترعرعت و نمت في ظلّ إجماعاتهم المزعومة، فانظر إلى ابن خلدون و هو يحدثنا عن نشأة القياس و تطوره فيقول: «... ثم نظرنا في طرق استدلال الصحابة و السلف بالكتاب و السنة، فانهم يقيسون الأشباه بالأشباه منهما، و يناظرون الأمثال بالأمثال بإجماع منهم و تسليم بعضهم لبعض في ذلك، فان كثيرا من الواقعيات بعده صلوات اللّه و سلامه عليه - لم تندرج في النصوص الثابتة، فقاسوها بما ثبت، و ألحقوها بما نصّ عليه بشروط في ذلك الإلحاق تصحّح تلك المساواة بين المشتبهتين أو المثلين حتى يغلب على الظن ان حكم اللّه تعالى فيهما واحد، و صار ذلك دليلا شرعيا بإجماعهم عليه، و هو القياس، و هو رابع الأدلّة.[34] ».

فكان القياس الوليد غير الشرعي للإجماع يعدّ من أصول الأدلة في أصول الفقه على وزان كتاب اللّه و سنة نبيّه و إجماع الصدر الأول، و صارت مجموعا «أصول الأدلة» بتعبيرهم بمقتضى الإجماع المذكور، يقول ابن خلدون هنا: «... و اتفق جمهور العلماء على ان هذه - الكتاب و السنة و الإجماع و القياس - هي أصول الأدلة، و ان خالف بعضهم في الإجماع و القياس، الا انه شذوذ، و ألحق بعضهم بهذه الأربعة أدلة أخرى لا حاجة بنا إلى ذكرها لضعف مداركها و شذوذ القول فيما.[35] » .

هذه قصة ما وقع في الصدر الأوّل في مقام نشأة الأدلة و ترعرعها و تطورها، و على هذا قامت الأدلة التي أسسوها لاعتقاداتهم و فقههم، و ما حدث بعد ذلك - لو أمعن النّظر به و تعمق - كان يدور في هذه الدوامة و يحدد بهذا الإطار العام عند المتأخرين من أبناء العامة، مما كان الانحراف عنه - مهما قلّ - يعدّ تعدّيا سافرا و تصديا وقيحا على النظام الحاكم سياسيا أو اعتقاديا، و نفيا لشرعيته و مشروعيته و هذا النوع من الرقابة الصارمة طغا دوما على جميع أبعاد البحث العلمي و التحقيق الأصولي، و جرى في كل المسائل الاعتقاديّة و التاريخيّة و السياسية، و امام ذلك لم تكن الطائفة المحقة لتعاني من أمثال هذه التعصبات و التحجرات الفكريّة مما كان عاملا مهمّا في تكامل الأصول خاصة و نموّه الطبيعي، كما انّ الظروف السياسية و الاجتماعية التي أحاطت بالشيعة الإماميّة في مباحثهم الكلامية التي رصعتها كلمات أئمتهم الطاهرين سلام اللّه عليهم أجمعين و حلّهم للمعضلات العلميّة و الدقائق الفكريّة و المشاكل التي كانت تواجههم في مقام استنباط الأحكام الشرعيّة، و ما تستدعيه من وجوه و أدلة لإثبات الأحكام سواء للاستعانة في كيفية انتزاع الحكم من آية قرآنية أو الاسترشاد بالسنة النبوية ليعد بحق أرضيّة خصبة لرشد و تطور علم الأصول و تكامله على يد فقهاء الشيعة في العصور اللاحقة.

نعم، نجد في حقبة زمنيّة - ليست بالقصيرة - بدأت بزمن الغيبة الكبرى دعت لها الضرورات الوقتية التي أحاطت آنذاك بفقهاء الشيعة إلى ان يبنوا مباحثهم الأصوليّة على الاستدلال غالبا بالكتاب الكريم و السنّة المنقولة عن طريق العامّة، و الأوجه العقلية و العرفيّة، و قلّما استعانوا بالروايات الخاصة الواردة في هذا المضمار.

و لعل عمدة الأسباب هي الحالة الانزوائيّة لفقهاء الشيعة مع ما كيل لهم من الضغوط السياسيّة و الاجتماعيّة من جهات مختلفة مما دعاهم إلى ان يكون أسّ استدلالاتهم في الأحكام على وتيرة تتلاءم أكثر مع المنطق و روح التفكير عند علماء العامّة، و جعلوا براهينهم قائمة على أصول لا تثير حساسيّة العامة و حفيظتهم، كاستشهادهم بوجوه عقليّة أو عرفيّة و أدلة لفظيّة، و ليت شعري كيف تذكر الروايات الواردة عن أئمة الهدى عليهم السلام سندا أو مستندا عند قوم يعد أوج التفكير عند كبراء أعلامهم أمثال الغزالي - مع كل ما يرون له من تحرر فكري و إحاطة و تعالى في كتابه إحياء علوم الدين - ان يسعى و بكل جهد و حيلة ان لا يسرد لنا رواية واحدة في كتابه عن أئمة الهدى صلوات اللّه عليهم أجمعين لا بما انهم حجج اللّه في أرضه - و هم الحجج - بل كرواة صادقين ثقات مقبولين يروون عن آبائهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فهو لا يطهر نفسه بقطرة من بحار علومهم، و لا يرتوي برشفة من حياضهم اللامتناهية. و هاك محدثيهم - و يا للأسف - يبذلون المستحيل كي يحوروا ما جاء عنه صلوات اللّه عليه فيجعلون بدل: كتاب اللّه و عترتي..: كتاب اللّه و سنتي و من أعيته الحيلة منهم نجده قد جعل بعد قوله صلوات اللّه عليه(وعترتي) ما بين قوسين (أي علماء أمتي) فهؤلاء هم الذين يرون الشيعة رفضة، و الرفض عندهم مساوق للشرك و الكفر، و لذا تجدهم قد عقبوا اسمهم بلعنهم اللّه... و خذلهم اللّه... و أخزاهم اللّه... و نظائر ذلك، و غاية جهد أولئك - و يا للعار - صبّ التهم و الافتراءات، و كيل الشتائم و السباب على هذه الطائفة المظلومة المضطهدة، و لفرقة لا ذنب لهم إلاّ انهم قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا، و إلقاء مفاهيم الفضيلة في بوتقة القدرة و السلطة المجحفة الظالمة.

و من هنا و هناك كانت مساعي فقهاء الشيعة - طيب اللّه رمسهم و قدس اللّه أرواحهم - في هذه الفترة المظلمة إثبات انهم في طريق الإسلام، و بنوا أحكامهم على نفس النهج و الأسس و الأصول التي يستسيغها العالم العامي الّذي ارتكز فقهه على الكتاب و السنة و الإجماع.. و كما نجد فقهاءنا الأقدمين - رضوان اللّه عليهم - فيما كتبوه في الفقه التجئوا إلى الاتّكال على الإجماع - مع ما عندهم من نصوص صريحة في المسألة تغنيهم عن ما أثبتوا عليه دعواهم، و ذلك لصرف موافقة بعض فقهاء الجمهور لذلك، و نظير هذا ما نراه في أكثر معاقد هذه الإجماعات التي ارتكزت على نصوص وردت عن أهل بيت العصمة و الطهارة سلام اللّه عليهم، و لذا قد نجد فقيهين متعاصرين ادعيا الإجماع على امرين متغايرين بل و حتى متضادين أو متناقضين.

كما و قد نواجه في كلمات الشيخ الطوسي رضوان اللّه عليه و من عاصره من فحول العلماء إجماعات قائمة على كبريات في موارد قد ميزوا فيها صغريات و مصاديق لتلك الكبريات، بمعنى انه لم يجدوا لتلك المسائل الجزئية إجماعات خاصة، و انما قاموا بتطبيق الإجماعات الواردة و جرّها على تلك الصغريات.

و ليس ذلك إلاّ من جهة إصرارهم على ذكر الإجماع في ضمن أدلتهم، مع ما كان لهم من أدلة تغنيهم عن أمثاله. و هذا و نظائره انما جاء في مصنفات مشايخنا الكرام لمعاناتهم ممن هم الأصل له - أي الإجماع - و هو الأصل لهم، دفعهم رضوان اللّه عليهم لذلك إعلاء كلمة الحق، و دحض جولة الباطل، و حفظ أساس التشيع، و الحرص على معالم الشريعة.

و لا يخفى أن هذا كله فيما إذا لم تقم الضرورة من المذهب على نفيه و إبطاله كالقياس و الاستحسان و ما شابههما. إذ نجدهم يقفون - و بكل صلابة - موقفا حديا لا هوادة فيه و لا مجاملة و لا محاباة - حتى الظاهري منها -، أمام كل ذلك، إذ أنّا نجد شيخنا الطوسي أعلى اللّه مقامه في فهرسته قد نسب القول بالقياس إلى أبي علي الإسكافي و قال في ترجمته: «... محمد بن أحمد بن الجنيد يكنّى أبا علي، كان جيّد التصنيف حسنه، إلاّ أنه كان يرى القول بالقياس فتركت لذلك كتبه و لم يعول عليها[36] ... ».

و لم يتضح لنا إلى يومنا هذا منشأ قول الإسكافي بالقياس و حدوده و موارد استعماله له، و وجه حجيته عنده. ثم أن مما يبرز مدى الظروف العصيبة التي مرّ بها فقهاؤنا العظام في الصدر الأوّل هو المضايقات الشديدة التي ألجأتهم إلى ان تكون كتبهم الفقهيّة و رسائلهم العمليّة مرصوصة و مصفوفة بنص عبارات الروايات الصحيحة أو المعتبرة في نظرهم من دون ان يشيروا إلى انها أخبارنا، و من هنا عدّت جلّ كتبهم الفتوائية انما هي نصوص روائية منقولة عن أهل بيت العصمة و الطهارة - صلوات اللّه و سلامه عليهم - عينا، تناقلتها الأيدي الأمينة لعلمائنا الأبرار عبر العصور و الأمصار، و تناقلوها خلال القرون و الأقطار من دون ان يلتفت أحد إلى هذه الخاصيّة إلاّ الخاصة من الخاصة.

و من هذا القبيل أيضا ما تعرض له فقهاؤنا الأقدمين في كتبهم الاستدلالية من إشارات إجمالية إلى مستند الفتاوى، إذ يذكرون مختارهم الفقهي مع من وافقهم من أئمة الجمهور و من خالفهم ثم يسردون دليلهم بعنوان: و قد وردت فيه النصوص، أو بمقتضى الروايات الواردة، أو قام الدليل القطعي عليه، مع ضمّ الإجماع أو اتفاق العلماء إلى ذلك، و هم يقصدون بدعواهم للإجماع و ما شابهه بيان ما هو المشهور بين أعلام الطائفة الذين أسّسوا فتاواهم على روايات أئمة الهدى عليهم السلام، و لا يسعهم التصريح بذلك. و طورا نجدهم يحكمون بإجماع في مسألة و لا دليل لهم فيها إلاّ الروايات المستفيضة عن أهل بيت العصمة و الطهارة تمنعهم الظروف القاسية من التصريح بها.

هذه مجمل ملحمة الفقه و الفقهاء و محنة العلم و العلماء، و لا يختلف الحال في ما نحن فيه من تاريخ تأليف الأصول و تصنيفه، إذ مرّ بنفس الظروف و الشرائط، فإنا نرى سيدنا المرتضى علم الهدى في كتابه «الذريعة إلى أصول الشريعة» - الّذي يعد من أوائل المصنفات المفصلة في هذا الفن الباقية بين أظهرنا - قد استدل في أكثر من مائتي مورد بالآيات الكريمة، و لا نجده طاب ثراه قد ذكر لنا من الروايات إلا قرابة مائة و عشرة كلها جاءت عن طريق العامة، حتى انه في بحث القياس - مع كل ما عندنا من الروايات المتضافرة أو المستفيضة بل كادت ان تكون متواترة عن طريق الأئمة سلام اللّه عليهم - نجده قد ذكر لنفيه بضع روايات عاميّة قد صححها أعلامهم، و تعرض إلى خبرين جاءا في النهي عن القياس و ذمه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام، و كلاهما بإسناد عامي، و هو يقول في مقام بيان اخبار الخاصة: «.. و اما ما يرويه شيعة أمير المؤمنين عليه السلام عنه و عن أبنائه عليهم السلام من إنكار القياس في الشريعة، و تقريع مستعمليه، و تضليل متّبعيه، فإن الشرح لا يأتي عليه، لكثرته و ظهوره و انتشاره[37]... ».

و هذا نظير ما سلكه شيخ الطائفة و سار عليه - مع تفاوت يسير - في كتابه عدة الأصول. فلذا، فإن الملاحظ عليهم رضوان اللّه تعالى عليهم في طرحهم للمسائل الأصوليّة أنهم يضاهئون طريقة بحث العامة لنفس المسألة ليتوصّلون بها إلى نفس النتائج المتوخاة التي يخلص إليها و يتوصل لها فقيه متبحر و متتبع إمامي. و هذا - و ايم اللّه - فنّ و ابتكار حظي به أولئك الاعلام أملته عليهم الشروط الخاصّة الزمانيّة، و الموقعية الاجتماعيّة المحيطة بهم، مع كل ما في كلماتهم من استدلال متين و منطق قويم أوصلهم إلى أهدافهم الجوهريّة، إلاّ و هي إحياء مذهبهم و نصرة شريعتهم، و حفظ دينهم بشكل لا يدع مجال للمؤاخذة عليهم بحال. و كانت هذه الطريقة - مع تفاوت يسير - هي مسار المدرسة الأصوليّة عند الشيعة الإماميّة إلى قرون لاحقة اعتمدت على ركائز هي القرآن الحكيم و الأحكام العقلية - أعم من النظرية و العملية - و السيرة العقلائية، الّتي كان لها دور محدود في مقام الاستدلال.

و قلّ استنادهم إلى الإجماع لملاحظات خاصة و مباني معينة، كما انا نجد هناك مباحث جاءت بشكل عفوي أو طبيعي كمقدمة للغور في المباحث الاستدلالية الأصوليّة ذكرت بعنوان مبادئ لغويّة، و ضمّت مباحث نظير الحقيقة و المجاز، و الاشتراك، و استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد... و ما شاكلها، و الملاحظ عدم تطرقهم للبحث عن المسائل العقليّة أو اللفظيّة في أبواب مستقلة - كما هو ديدنهم اليوم - فإن مباحث العلم و الظنّ جاءتنا ضمن المباحث اللغويّة، و مسائل أخرى نظير النسخ، و دلالة الأفعال، و القياس.. و ما شاكلها جاءتنا كمباحث مستقلة، كما و أقحم الاجتهاد على غرار هذه الفصول و قارنها.

و قد مشوا على هذا التبويب و الترتيب منذ عصر السيد المرتضى و الشيخ الطوسي رحمهم اللّه - الّذي يعد مبدئ المتون الأوليّة للأصول - إلى زمان العلامة الحلي رحمه اللّه المتوفى سنة 726 هـ - تقريبا، و لو سايرنا هذه الحقبة الزمنيّة فلا نجد إلاّ مدرستين في الأصول هما مدرسة الشيخ الطوسي و الأخرى مدرسة العلامة الحلي رضوان اللّه عليهما، و عمدة مباحثهم و ان كانت تدور حول المبادئ اللغويّة، الأوامر و النواهي، العموم و الخصوص، المجمل و المبيّن، الاخبار، النسخ، الأفعال، الإجماع، القياس، الاجتهاد، الحظر و الإباحة، استصحاب الحال، و كان بحث المطلق و المقيد يطرح ضمن بحث العموم و الخصوص، إلاّ انه قد طرحت هذه المباحث في مدرسة العلامة الحلّي بشكل أجمع و أعمق، كما و قد تعرض هناك في مبحث الأوامر و النواهي إلى تقسيمات الواجب بصورة أدق، و قد أقحموا في الأصول جملة من المباحث الكلامية بشكل مستقل نظير بحث امتناع التكليف بالمحال، و الحسن و القبح، و وجوب شكر المنعم.. و غيرها.

و قد تعرضوا بشكل مسهب و بجامعية أوسع لبحث العموم و الخصوص و لذا ترى مباحث جديدة جاءت تعرضوا لها تحت عنوان: الأحكام، في فصل مستقل، أضيف إلى غيره من المباحث الّتي أبقاها المتقدمون لهم، بعد ان كان عمدة هذه المباحث كلاميّة، كما عنونوا بحث التعادل و الترجيح في فصل مستقل، و بقي بحث المطلق و المقيّد ضمن مباحث العام و الخاصّ بشكل مختصر كما كان، و ما تبقى من المباحث الأصوليّة لم تتغيّر في هذه المدرسة إلاّ بما امتازت به من كيفيّة أحسن و شمولية أوسع، و قد وقعت الروايات مورد البحث و الاستناد بشكل محدود جدا جاء غالبها عن طريق العامّة.

و مما امتازت به هذه المدرسة قوة البراهين و الاستدلالات و صوغها صياغة عقليّة، و كان نفس روح هذه المدرسة حاكمة إلى سنوات متمادية لم يكن التحول فيها إلاّ جزئيّا، و ذلك بواسطة بعض الشخصيّات الفذة خلال هذه القرون، نظير صاحب المعالم - المتوفى سنة 1011 هـ -. و الملاحظ أن مبدأ التحول الجوهري و التطور العلمي و النضوج الفكري كان على يد أستاذ الكل: الوحيد البهبهاني - المتوفى سنة 1205 هـ -.

و تعدّ مصنفات الأجلاء من أبناء مدرسته أمثال:

قوانين الأصول. لميرزا أبي القاسم الجيلاني الشهير بالقمي (المتوفى سنة 1231 هـ ).

هداية المسترشدين في شرح معالم الدين للشيخ محمد تقي الأصفهاني (المتوفى سنة 1248 هـ).

إشارات الأصول للشيخ محمد إبراهيم الكلباسي، (المتوفى سنة 1261 هـ ).

المحصول للسيد محسن الأعرجي  (المتوفى سنة 1240 هـ).

ضوابط الأصول للسيد إبراهيم القزويني (المتوفى 1261 هـ. )

مفاتيح الأصول للسيد محمد الطباطبائي الشهير بالمجاهد  (المتوفى سنة 1242 هـ).

الفصول للشيخ محمد حسين الأصفهاني  (المتوفى سنة 1254 هـ).

لتعدّ شاهد صدق و كاشف حق عن عمق التحول الفكري في مدرسة الوحيد، التي تعتبر بحق طفرة في التعالي العلمي و التطور الأصولي، لما امتازت دراستهم من كيفيّة عالية جدا، مع عمق و استيعاب و دقّة في تحديد المباحث الأصوليّة، و محاولة إعطاء تعريفات جامعة مانعة لغالبها، مع محاولة فرز كل واحد منها عن الآخر.

و كذا ما نجده من تحوّل في المباحث المرتبطة بالمبادئ اللغوية، و الوضع و المعنى الحرفي، و إقحام مباحث أخرى، نظير الصحيح و الأعم و المشتق في ضمنها، و تنويع مباحث الأوامر و النواهي بحسب ما يفتقر إليه الفقيه في مقام الاستنباط.

و كذا عرضهم لمباحث دوران الأمر بين الأقل و الأكثر و المتباينين، و توسعة مباحث المفاهيم، و بروز تحقيقات جوهرية حول مسائل مختلفة ترتبط بالتخصيص و التقييد، و البحث عن حجية الأدلة التي تقع سندا في المباحث الفقهيّة، و إعطاء المباحث العقليّة الموقعية اللائقة لها في المباحث الأصوليّة.

كما أنّ من مميزات هذه المدرسة و مختصاتها تنقيحها لمباحث القطع و الظن و الشك، و تعيين مجاري الأصول العمليّة و غيرها. و من الضروري التنبيه على أنّ غالب هذه المباحث - ان لم نقل كلّها - قد طرحت في كتب الماضين و بشكل ضمني، و لكن في هذه المدرسة وجدت الموقعيّة الخاصة اللائقة بها، مع الاستقلال في البحث.

و لا بدّ أن لا ننسى ما لتأثير التفكير الأصولي الخاصّ لفقهائنا الأخباريّة و أعلامنا المحدّثين في تكامل مدرسة الوحيد و تعاليها. إذ كان ركيزة هؤلاء الأعاظم على مبنى «إن تمسكنا بكلامهم عليهم السلام فقد عصمنا من الخطأ، و إن تمسكنا بغيرهم لم نعصم منه» ، « إنه ليس في المنطق قانون يعصم عن الخطأ في الفكر.» [38]،«لا مدخل للعقل في شي‏ء من الأحكام الفقهيّة من عبادات و غيرها، و لا سبيل إليها الا السماع عن المعصوم عليه السلام، لقصور العقل المذكور عن الاطلاع عليها» [39] و أمثال ذلك، مما أوجب نفي كل برهان عقلي أو استدلال منطقي ما لم يكن على وفق النقل، و في هذه الصورة يغنينا النقل عن كل امر آخر. و فقهاؤنا الأخباريّة و عظماؤنا المحدثون لا يرون أنفسهم مستغنين عن قواعد و أصول في مقام الاستنباط، الا انّهم حصروها بما يؤخذ من السنّة.

و لعل هذا الطرز من التفكر يعد نتيجة طبيعيّة و منطقيّة لردة الفعل التي كانت في الصدر الأوّل و إلى زمانهم في التفكر الأصولي لفقهاء الإماميّة، الّذين - كما سلف - جعلوا الأساس هو الاستناد على البراهين العقلية و الأدلة المنطقية و لم يكن للاخبار الخاصّة دورا في أصولهم، و لا طريقا لها في مباحثهم، و قد قلنا ان هذا النوع من التفكر عنه قدماء علمائنا - رضوان اللّه عليهم - كان محصورا بفترة زمنية خاصة، و تحت ظروف سياسيّة معيّنة، تابع اللاحق منهم السابق. و على كل حال، فان مدرسة الوحيد الفكريّة و ان لم تتبع النهضة الأخباريّة، بل كانت لها مساع هامة في دفع هذه الفكرة، و تهذيبها عن الانحراف و العصبيّة الا انّها لم تسلم من تأثيرها و التأثر بها.

و كان نتيجة كل هذه المحاولات و المجادلات و الأخذ و الردّ ان حصل تكاملا و تطورا و توسعة و عمقا في أصول الفقه على يد شيخنا الوحيد و أبناء مدرسته، ثم على يد فخر المحققين الشيخ مرتضى الأنصاري - رضوان اللّه عليه - في العصر المتأخر الّذي كان له مقام الأبوة - بحق - على الأصول الحديثة.

فان ما حققه الأخباريّون من الأسس و المباني، و سطروه في مصنفاتهم، فقد صار موردا للنقد الجذري و التحليل التام في مدرسة الشيخ، مما سبب تحديد موقعية العقل و التفكر المنطقي في قبال السنّة المروية عن بيت العصمة و الطهارة عليهم السلام بما لا يوجب حرمان الباحث عن المعالم المأخوذة عنهم - عليهم السلام - في الروايات الواردة في الأبواب المختلفة من أصول الفقه.

و ما كانت مدرسة الشيخ إلاّ تكاملا و رقيّا و أوجا للنضوج العلمي الّذي جاءت به مدرسة أستاذ الكلّ الوحيد البهبهاني و أعيان تلامذته، إلا أنها تمتاز - ضمن الاشتمال على الاستحكام و الدقة - بتهذيب المباحث و تنظيمها بشكل مبتكر، و تقليل حجم بعضها مما يقلّل احتياج الفقيه لها، نظير: مباحث النسخ، و القياس، و دلالة الأفعال، التي سبق تفصيل البحث عنها في مدرستي الشيخ الطوسي و العلامة - رضوان اللّه عليهما - و حصر جميع المباحث في قسمين:

مباحث الألفاظ، و المباحث العقليّة، و تحديد المباحث العقليّة ضمن أقسام ثلاثة:

القطع، و الظن، و الشك. و من خصوصيات هذه المدرسة - غير الظرافة و العمق في ترتيب المباحث و تبويبها - غاية الدقة و نهاية الفطنة في جميع فصولها، لا سيّما مباحث الشك و الأصول العمليّة، فإن شيخنا الأعظم - طاب ثراه - بمعونة الاستفادة الواسعة و الأساسيّة من منابع علوم آل بيت العصمة - سلام اللّه عليهم - قد استوفى حق التحقيق و التدقيق - مع كمال الجودة و المتانة - في كثير من مباحثه، خاصة مباحث الشك و الأصول العمليّة، و أن كان لها الموقعية الخاصة من حيث التحقيق و المداقة في مدرسة الوحيد بالنسبة إلى من سبقه فيه.

فان الاستفادة و الاستعانة من منابع الحديث عند الخاصّة في أصول الفقه و إن بدأت بعد النهضة العمليّة من أهل الحديث و الأخباريين، إلاّ أن لشيخنا الأعظم فيها المقام الاسمي و الرتبة العظمى الشامخة، التي لا يقاس بها غيره من أعلام المحققين و أرباب المدارس الفكريّة في هذا الفن.

و يمكن ان يدّعى - بجرأة - ان الحديث ما وجد الموقعيّة الخاصة و اللائقة له في أصول الفقه إلاّ في عصر شيخنا العلامة و على يده الشريفة.

و من خصوصيات هذه المدرسة، أن عزلت بحث الاجتهاد و التقليد عن المباحث الأصوليّة، لما فيه من ثقل فقهي بما يزيد على ربطه الأصولي.

و وضعوا لمبحث التعادل و الترجيح فصلا مستقلا كخاتمة للمباحث الأصوليّة - لا أنه مقحم في مباحث الظن و الخبر- كما و أن من أبرز مميّزات هذه المدرسة: المداقة الشديدة و العمق الواسع في مباحث العام و الخاصّ، و المطلق و المقيّد مع ما كانت تمتاز به في مدرسة الوحيد.

و من هنا كانت لمدرسة الشيخ روادها و هواتها الذين جذبتهم في سيرها الفقهي أو تعمقها الأصولي، و بقيت إلى يومك هذا حية طريّة قدّر لها الخلود لما امتازت به من أحكام و استحكام في البناء و المبني.

و من الضروري الإشارة إلى إنّ أدوار نشوء و تطور و تكامل علم الأصول لم تنحصر بأرباب هذه المدارس و من صنّف فيها، و ممن كان له دور في رقيها و تعاليها، مع عدم إمكان التغافل عن الدور الأساسي الّذي كان لبعض المصنفات أمثال الذريعة و المعارج و معالم الأصول و هداية المسترشدين و قوانين الأصول و أمثالها.

بل إنّ كل أعلامنا و رجالات الفقه كان لهم دور في تقدم و تعالى هذا العلم و رقيه، و تكاتفوا في تحقيقه و تنميقه. و لم تكن نسبة تأثير هذه العوامل على حد سواء، بل كان لبعضها الأثر الأكبر و الدور الأظهر، امتاز منها شيخنا الأنصاري بالقدح المعلّى و المكانة السامية، و ممن تربّى على يديه و ترعرع في أحضانه أستاذ المتأخرين الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراسانيّ رضوان اللّه تعالى عليه، بما امتاز به من الرتبة الخاصة، إذ نجده يعد - بحقّ - من أكابر مقرري مباني الشيخ و سابري مباحثه و محققي مبانيه، و منتقدي نظرياته، فهو قد هذّب المباحث الأصوليّة بطريقته الخاصّة، مع ما عرف به في تربية أكبر عدد من الفطاحل الذين لا زالوا حتى يومنا هذا لهم السلطة و الهيمنة على كل المراكز العلميّة و الجامع الدينيّة.

هذا ما يتيسر لنا سبره و استقصاؤه في هذه العجالة، و بكل اختصار، تاركين الموضوع إلى فرصة أوسع و دراسة أعمق، معترفين باستحقاقه إلى بحث و تنقيب. و رحم اللّه علماءنا الماضين و فقهاءنا المتقدمين، و جزاهم اللّه عن الإسلام و المسلمين خير جزاء المحسنين.

 

                       



[1] . اعيان الشيعة : ج1، ص90 .

[2] . بحارا لانوار : ج93، ص93 – 97 .

[3] . الفهرست للقديم : ص224.

[4] . اعيان الشيعة : ج10، ص265.

[5] . وهو العلامة التقی السيد حسن الصدر فی کتابه تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام : ص310.

[6] . اعيان الشيعة : ج1، ص137.

[7] . الفهرست : ص224.

[8] . أعيان الشيعة : ج1، ص137.

10,[9])) . السرائر، ص478 - الحجريّة - مستطرفات السرائر - تحقيق مدرسة الإمام المهدي عليه السلام: ص 58- 57؛ و جاء في وسائل الشيعة: ج 18، ص40-41، حديث 52 و51؛ بحار الأنوار، ج2، ص245، حديث 53 و54 (و فيه: التفرع بدل: التفريع)؛ غوالي اللئالي: ج 1، ص425  عن طريق زرارة و أبي بصير عن الباقر و الصادق عليهما السلام مثله.

 

[11] . نسب النديم هذا الكتاب في فهرسته إلى والده محمد بن خالد. و هذا من زلاته، انظر الفن الخامس من المقالة السادسة: ص277.

[12] . الکافی : ج2، ص463، کتاب الایمان و الکفر ، باب ما رفع عن الامة، الحديث 2، من لا يحضره الفقيه: ج1، ص36، الباب114، الحديث 4 ، الخصال: ص417؛ التوحيد : ص353.

[13] . وسائل الشيعة: ج18، ص114، الباب 12 من ابواب صفات القاضی، الحديث 9.

[14] . نفس المصدر، ج18، ص116، الحديث 15 .

[15] . الخصال: ص619.

[16] . وسائل الشيعة: ج18، ص117، الباب 12 من ابواب صفات القاضی، الحديث 5 .

[17] . الاحتجاج: ص102.                                                                                      

[18] . الفهرست: ص257، الفن الثانی من المقالة السادسة.

[19] . الفهرست: ص263، الفن الثانی من المقالة السادسة فی اخبارالشافعی واصحابه؛ وفیات الاعیان: ج4، ص185؛ تاریخ بغداد، ج2، ص172.

[20] . الفهرست: ص257، الفن الثانی من المقالة السادسة، قال: «... فمات بالری سنة تسع وثمانين و مائة، فی السنة التی توفی فيها الکسائی ...» .

[21] . وفيات الاعيان: ج6، ص382.

[22] . تاريخ ابن خلدون: ج1، ص379.

[23] . وفيات الاعيان: ج4، ص165.

[24] . الوسائل إلى مسامرة الأوائل: ص117، و قد صنف السيوطي هذا الكتاب تلخيصا لكتاب الأوائل لأبي هلال العسكري من أعلام القرن الرابع، و ليس في كلامه هذا لفظة«بالإجماع» كما قرّره سيدنا الأمين في الأعيان. وفي هذا الكتاب أيضا: أول من تكلم في الحديث و صنف فيه الإمام الشافعي: ص114، وأوّل من صنف في الفقه أبو حنيفة: ص115.

[25] . مناقب الشافعی: ص57.

[26] . جامع الاحاديث الشيعة: ج1، ص104 – 341.

[27] . وفيات الاعيان: ج4، ص165.

[28] . الفصول المهمة: ص58.

[29] . الاصول الاصلية: ص88.

[30] . الاصول الاصلية: ص170.

[31] . رجال النجاشی: ص28.

[32] . تاريخ ابن خلدون: ج1، ص378.

[33] . فرائد الاصول، ج1، ص184.

[34] . تاريخ ابن خلدون: ج1، ص378.

[35] . تاريخ ابن خلدون : ج1، ص378.

[36] . الفهرست: ص134، الرقم590.

[37] . الذريعة: ج2، ص735.

[38] . الفوائد المدنية: ص130.

[39] . الحدائق الناظرة: ج1، ص130 – 132.

 

تعداد امتیازات: (3) Article Rating
تعداد مشاهده خبر: (4143)
کد خبر: 107
  • تطور علم الأصول حضرت آيت الله علوي بروجردي مدظله العالي

RSS comment feed نظرات ارسال شده

هم اکنون هیچ نظری ارسال نشده است. شما می توانید اولین نظردهنده باشد.

ارسال نظر جدید

تنها کاربران ثبت نام کرده مجاز به ارسال نظر می باشند.